المدارس الفلسطينية

المدرسة الفلسطينية في قطر: إنجاز وريادة

تشكّل الجاليات الفلسطينية في الشتات رصيداً استراتيجياً، وسنداً قويّاً، ومخزوناً عظيماً من الطاقات البشريّة والماديّة، التي يحتاجها شعبنا في سبيل وجوده وسعيه نحو التحرّر والاستقلال، فالوجود الفلسطيني خارج الوطن، منصّة عزّة، وخندق منيع، في قلاع متّصلة عيونها نحو القدس، وخاتمة أحلامها العودة، مهما طال الزمن، أو كانت مغريات التجنيس البديل حافزاً كبيراً.

إن هذا الحضور الكمّيّ والنوعيّ للجالية الفلسطينية في مختلف دول العالم، ليس عبئاً ولا عبثاً في أيّ مكان، ولن يكون تائهاً يوماً عن غايته المُثلى، في التحرّر والعودة الأكيدة للوطن الأم فلسطين، منبع الحضارات والرسالات، وأرض الشهداء والأنبياء، وموطن الثائرين الصامدين المرابطين إلى يوم الدين.  لقد كانت الجاليات الفلسطينية، وما زالت حيثما وجدت، أحد أهمّ مكوّنات البناء التنموي في معظم مواقع اللجوء، عربيّاً ودوليّاً، فالوفرة ذات الجودة العالية من الأكاديميين والمهنيين في مختلف الحقول، والتي مثّلت الصادرات الفلسطينية لتلك المجتمعات، كانت الأساس في نهضتها وتطوّرها، وهذا ما لا ينكره أحد في العديد من الدول، سواءً أكانوا معنا أم علينا، وفق التوجّهات السياسيّة المختلفة.

لقد أدرك الشعب الفلسطيني أهميّة التعليم وقيمته، باعتباره أحد أهم مقوّمات الصمود والبقاء والمقاومة، وحرص على التعليم تحت الحصار، وفي ظلّ منع التجوال، وحتى في معسكرات الاعتقال، وهذا الوعي قابله إدراك آخر من قبل العدو، الذي ما زال يرفع وتيرة تصعيده ضد المؤسسات التعليمية وقياداتها، باستهداف منظّم وممنهج، مستغلاً حضوره الإعلامي، وقوّته الاقتصاديّة والعسكريّة، وتحالفاته مع الدول الكبرى في العالم.

ولعلّ واحدة من النماذج الفلسطينية الواعدة والرائدة، في مجال التربية والتعليم خارج الوطن، هي تلك المدرسة الفلسطينية التي شقّت طريقها قبل سنوات في قطر، لتحتضن المئات من أبناء الجالية الفلسطينية وغيرهم، في مدرسة واعدة وكأنّها الدوحة في الدوحة، تبعث رسالتها التربوية والتعليمية والوطنية والسياسية والاجتماعية والثقافية الشاملة، وبكلّ أمانة ومسؤولية، وفق برنامج وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطيني.

وبعيداً عن التجميل والمجاملة، إنها صورة مشرقة يستحقّ أصحاب الفكرة والتنفيذ عليها، وسام الاستحقاق والشرف، لعملهم الرائع والبطولي الذي جسّد الرؤية الفلسطينية في استثمار أبناء فلسطين، كلّ في مكانه المؤقّت، وحافظ على النسيج الوطني خارج الوطن، ومنع انصهار شبابنا في تلك المجتمعات، أو ذوبانها في عصر اتّسم بالسرعة والعولمة، وإقصاء مبادئ العالمية، وإحلال ثقافة المصالح على حساب القيم والمبادئ الوطنية في دول أخرى مختلفة.

إن مشهد العلم الفلسطيني وهو يعانق سماء الدوحة، وأنغام السلام الوطني الفلسطيني في كلّ صباح، كما في القدس وغزة ورام الله، يجعلك تشعر وبقلب يخفق فخراً وشموخاً، بأن حدود فلسطين هي الدنيا بأكملها.

وشهادة حقّ تقال في المدرسة، إدارة وعاملين ومعلمين، وللسفير، ونائبه المشرف العام على المدرسة، بأنّ هذه النتائج الباهرة التي تحققها على مستوى الدولة في قطر، وهذا التميّز، ما كان ليتحقّق لولا الجهود الرائعة المبذولة من كل الفريق، الذي تناغم وأبدع في جعل هذه المدرسة سفارة ثانية لفلسطين، يتعلّم فيها أبناء الجالية وغيرهم من الأصدقاء الأشقّاء، المنهاج الفلسطيني، ويتلقّون أنشطة مرافقة، وطنيّة الطبع والطابع، تعزّز القيم والاتجاهات التي تسعى الوزارة لتحقيقها.

وفي النهاية، يمكن القول إن التجربة الناجحة في ثلاث مدارس فلسطينية، في قطر ورومانيا وبلغاريا، لا بدّ أن تعمّم على بقيّة الدول التي نمتلك فيها الرصيد البشري والماديّ، لإنجاز عشرات المدارس لخدمة أبنائنا وبناتنا في الخارج. فالتعليم أمر رباني، وطاقة متجدّدة للبقاء، وأداة وحدة وبناء وتنمية، فهذه دعوة خالصة لسفرائنا وجالياتنا في الشّتات لنقل التعليم الفلسطيني إلى كل أنحاء العالم بما في ذلك من عوائد مرجوّة، وفوائد عظيمة من هكذا إنجاز.

بقلم الدكتور  محمد عواد